بالرغم من
الاستمرارية الملفتة التي شهدتها النظم العربية في الأربعين سنة الماضية
والتي فاقت جميع النظم الأخرى في العالم، يظل عدم الاستقرار السمة الرئيسة
التي تميز الوضع العربي والتي تفسر ضعف إنجاز المنطقة العربية في جميع
المجالات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية وخاصة العلمية والتقنية.
ويمكن معاينة هذا الانعدام المزمن والشامل للاستقرار من خلال تواصل
التنافس العالمي على النفوذ في المنطقة وتعدد بؤر الصراع والنزاع الإقليمي
وتفاقم الانقسامات الوطنية والعربية والاجتماعية داخل دولها وفيما بينها
أيضا. ومن نتائج ذلك تنامي الخلافات بين أطرافها وتفاقم التوترات التي
تهزها وتخترق دولها ومجتمعاتها ومن ثم زيادة فرص التدخل الخارجي وإخضاع
المنطقة للاستراتيجيات الدولية وبالتالي حرمانها من الحد الأدنى من
الاستقلالية التي تمكنها من التوصل إلى تفاهمات مستمرة بين أعضائها
والقبول بتسويات معقولة للمشاكل العالقة وفيما وراء ذلك إقامة التعاون
الذي لا مجال للتقدم من دونه في هذا المجال أو ذاك وبشكل خاص في مجال
البحث والتجديد العلمي والتقني.
ليس لانعدام الاستقرار المزمن في المنطقة العربية مصدر واحد وحيد ولكن
مصادر متعددة ومختلفة. وأول ما ينبغي الإشارة إليه في تحليل هذه المصادر
الموقع الجيوسياسي المميز الذي احتلته المنطقة الشرق أوسطية في دائرة
الحضارة القديمة وامتداداته في دائرة الحضارة الحديثة الأوروبية المنشأ.
فمما لا شك فيه أن المنطقة قد شكلت منذ القديم ولا تزال تشكل مركز جذب
وميدان تنافس دائم وبالتالي ساحة صراع وتنازع دولي تتجدد أسبابه وتتبدل
ولكنها مستمرة بلا انقطاع. وإذا استثنينا فترات تاريخية محدودة، نستطيع أن
نقول إن الشرق الأوسط ربما كان من المناطق النادرة في العالم التي تميزت
بهذا النوع المزمن من التنافس والصراع على النفوذ ولا تزال معرضة بشكل قوي
له. وكل الحضارة التي عرفتها كانت ثمرة هذا التجاذب المستمر بينها وبين
الشعوب المجاورة التي نقلت إليها مكتسبات الحضارات الأخرى وجعلت منها مركز
التوليف الحضاري الأشهر في العالم. لكن حركة التجاذب والتنافس الدولي على
المنطقة هي التي كانت وراء الخراب المتكرر لحضارتها وازدهارها وتبديد فرص
التراكم والتقدم المستمر فيها أيضا. فبقدر ما حول الصراع العالمي عليها
المنطقة إلى منطقة تواصل فيما بين الحضارات زاد من شدة التنافس والصراع من
أجل السيطرة عليها وعرضها للخراب في كل مرة كانت تتغير فيها موازين القوة
الاستراتيجية الدولية والإقليمية.
ففي العصور القديمة كانت المنطقة هدف غزوات مستمرة من الشمال والشرق لم
تتوقف إلا مع صعود نجم الإمبراطورية الرومانية التي وحدت المنطقة وطبعتها
بطابع مشترك لقرون عديدة. لكن انقسام الإمبراطورية وتفككها قد أعاد جدلية
النزاع حول المنطقة إلى ما كان عليه حتى قدوم الفتوح الإسلامية التي أعادت
توحيد المنطقة من جديد عبر الولاء المشترك لعقيدة دينية واحدة. وقد فتح
انقسام الإمبراطورية الإسلامية وضعفها الباب من جديد أمام الغزوات القادمة
من الشرق التركي المنغولي ومن الشمال الأوروبي وأدخل المنطقة في دورة
طويلة من التفكك وانعدام الاستقرار.
وفي القرون الوسطى كان التنافس على السيطرة على الأراضي المقدسة، وما كانت
تشكله من رأسمال رمزي استثنائي يطمح إلى امتلاكه كل صاحب سلطة أو طموح
كبير للسلطة الإمبراطورية، في الغرب وفي الشرق - سببا رئيسيا في تفجير
الحروب الصليبية التي غطت بنزاعاتها وحروبها المتواصلة ما يقارب الأربعة
قرون. ولم يمكن للخراب المادي والمعنوي الذي خلفته أن ينتهي وتزال آثاره
أو قسم كبير منها إلا مع ظهور الدولة العثمانية التي أعادت توحيد المنطقة
ونشرت السلام فيها لعدة قرون. لكن الثمن الذي اضطرت المجتمعات إلى دفعه
لقاء هذا الاستقرار كان عاليا جدا بقدر ما كان قائما على الإخضاع العسكري
والسيطرة البيروقراطية والعزلة الدولية. وقد تركت السياسات الاجتماعية
المحافظة والحروب المستمرة التي خاضتها الدولة العثمانية أو اضطرت لخوضها
للحفاظ على الأراضي التي كانت قد سيطرت عليها في مرحلة توسعها المجتمعات
العربية في حالة متقدمة من الجمود والاستنزاف المادي والمعنوي. ولم يأت
القرن العشرون حتى كانت معظم هذه المجتمعات قد خضعت لسيطرة الدول
الأوروبية الصاعدة.
وفي العصور الحديثة، وفي موازاة تقدم النهضة الاقتصادية والعلمية والتقنية
الأوروبية وتفكك القوة العثمانية استعادت جدلية الصراع على الشرق الأوسط
حيويتها. وقد بدأت الدول الأوروبية القوية منذ القرن الثامن عشر تحركاتها
للسيطرة على بعض المواقع المتوسطية واحتلالها في سياق البحث عن المواد
الأولية ثم التنافس على الأسواق الذي دشن لدورة الحروب الاستعمارية. وما
كادت الحروب العثمانية التي أرهقت شعوب المنطقة تصل إلى نهايتها، وكان
آخرها الحرب العالمية الأولى التي أودت بحياة الإمبراطورية، حتى بدأت موجة
الحروب والنزاعات الوطنية الرامية إلى فرض الاستقلال وتحرير المنطقة من
السيطرة الأجنبية خلال حقبة ما بين الحربين.
ولم ينحسر النظام الاستعماري في الشرق الأوسط من دون أن يخلق بؤرا جديدة
للتوتر والنزاع الإقليمي بعيدة الأثر. وبالرغم من أن العرب اكتسبوا على
ضوء الحروب الاستقلالية الكثير من مفاهيم وقيم العصر الحديث إلا أن
الاستعمار الأوروبي للمنطقة العربية قد ترك محددات جيوسياسية وسياسية
واجتماعية وثقافية لا تزال تضغط بعواقبها السلبية على المنطقة وتحد من
قدراتها على تمثل الحداثة والتعاون فيما بينها والاندماج. ومن أهم هذه
العواقب وأعمقها أثرا من دون شك الخلل البنيوي في تركيبتها الجيوسياسية
الناجم عن تفتيت المنطقة وما فرضه هذا التفتيت من مشكلات.
ولا شك أن هذه الجغرافية المصطنعة التي حكمت اتجاه وشكل تطور النظم
المجتمعية في المنطقة بعد الاستقلال هي المصدر الأهم لانعدام الاستقرار
الذي عرفته المنطقة. ومهما كان الدافع لذلك، وهو مختلف بين دولة وأخرى،
ولو ارتبط جميعه بالصراع على النفوذ الدولي وحماية المصالح الخاصة
بالإمبراطوريات الكبيرة، عملت أطماع الدول الأوروبية ونزاعاتها الخاصة على
التشجيع على تقسيم المنطقة إلى مجموعة كبيرة من الدول الصغيرة بشكل
اعتباطي يستجيب لحاجات ضمان النفوذ الأوروبي بعد زوال الاحتلال أكثر مما
يرد على حاجات التميز في شروط حياة السكان أو في هويتهم الوطنية أو في
مصالحهم أو أكثر مما يعكس رغباته. |