دعيت الشهر الماضي
للحديث في إطار المؤتمر السادس لتجمع أكاديميات الدفاع ومراكز دراسات
الأمن الذي عقد في بوخارست وكان موضوعه الرئيسي: الأمن الأوروبي في
الأعوام القادمة، عن المشاكل التي يطرحها موضوع الأمن الأوروبي في منظور
الجنوب المتوسطي، والمقصود بالطبع العربي. وقد كنت المتحدث والمشارك
الوحيد من خارج أوروبا وحضر الحديث نخبة كبيرة من القادة العسكريين
والسياسيين بمن فيهم بعض وزراء خارجية ورؤساء أركان ومعاونيهم ومسؤولين
كبار في الحلف الأطلسي وبالتأكيد مسؤولي أجهزة أمن عديدة في البلاد
الأوروبية. وقد بدأت حديثي بالقول إن مسألة الأمن قد أصبحت، بعد الحادي
عشر من سبتمبر 2001، مصدر القلق الرئيسي للدول الصناعية لكنها كانت ولا
تزال مصدر قلق دائم لجميع الدول العربية، وإن وراء الحديث المتكرر عن
التنمية والإصلاح الحكومي والتحديث الإداري لبلدان الشرق الأوسط تلوح
باستمرار مسألة العنف المتزايد الانتشار في العالم أجمع والبحث عن أنجع
السبل لمواجهته ووقفه. وفي سجل هذا العنف العالمي الذي أصبح محور التفكير
والعمل عند جميع الدول يبدو العنف الصادر عن بلدان العالم العربي هو
الأكثر جذبا للاهتمام لأنه يظهر أيضا كما لو كان الأكثر تنظيما والأكثر
عنادا وبالتالي إثارة للمخاوف والقلق على المستقبل.
ولا بد منذ البداية أن نعترف بأن الاستراتيجية التي تبنتها القوى الكبرى
التي تواجه العنف لم تؤت ثمارها إن لم تكن قد أظهرت فشلها. وفي اعتقادي أن
السبب الرئيسي لهذا الفشل هو اعتمادها على نظريات خاطئة في أصل العنف
وبالتالي في سبل مواجهته والتخلص منه. فقد ركز الباحثون الأوروبيون
والغربيون عامة في الأعوام السابقة، في سعيهم لفهم هذا العنف ومصادره،
كثيرا على العوامل الحضارية بما تشمله من عوامل ثقافية أو دينية. فأشار
بعضهم إلى طبيعة المذاهب الإسلامية التي تربط السياسة بالدين ولا تعترف
لها بأي هامش من الاستقلالية كما تجعل من الجهاد والدعوة إليه أحد مبادئ
الإيمان والاعتقادات الإسلامية. ومن هنا زاد الإقبال على قراءة القرآن عند
قطاعات كبيرة من الرأي العام الغربي لمعرفة حقيقة دعوة الدين الإسلامي إلى
الجهاد ومحاربة الأقوام والأديان الأخرى كما زاد اهتمام الباحثين الغربيين
المختصين بالشرق الأوسط بمقارنة التأويلات القرآنية والفقهية. وأشار البعض
الآخر إلى الثقافة العربية التي بقيت في نظر الكثيرين ثقافة قرسطوية قديمة
محكومة بالقيم والتقاليد الدينية والخصوصية وغير قادرة على تمثل قيم
الحداثة ذات الطابع العالمي أو الإنساني الشامل. ولا يمكن لمثل هذه
الثقافة كما يقول هؤلاء إلا أن تعزز نزعات الانكفاء على النفس ورفض
التواصل مع الآخر بل كره الآخر ورفضه وإظهار العداء له. وفي ضوء مثل هذه
النظريات تبدو الثقافة العربية بما تتضمنه من أبعاد دينية ودنيوية معا
مفتاح فهم ما تعيشه المجتمعات العربية المعاصرة من تأخر اقتصادي واستبداد
سياسي وفساد إداري مثل ما هي مفتاح فهم علاقاتها بمحيطها الخارجي ونمط
سلوكها الدولي. بل إنها تبدو كما لو كانت محكومة حتما بالصراع مع الغرب
والتناقض معه وتنمية اتجاهات العداء له بوصفه ممثلا لثقافة حديثة أو
لحداثة مناقضة في الجوهر لما يمكن أن يبدو بالمقابل أيضا كجوهر للمجتمعات
والحضارة العربية الإسلامية أي للأصالة والتقليد الخاص بها.
ومن الواضح أن مثل هذه النظريات التي لا تزال تسود للأسف في الأوساط
العلمية والسياسية والإعلامية الغربية التي تسيطر على الساحة العالمية
للبحث والقرار والإعلام تعتبر، انطلاقا من هذا التحليل، أن ظواهر الانقسام
الاجتماعي والظلم وانعدام المساواة وغياب سلطة القانون والتعسف والتمييز
بين الناس، خاصة ضد المرأة، مما هو سائد اليوم في المجتمعات العربية، جزء
لا يتجزأ من الموروث الثقافي العربي، بل تعبير عن قيم هذه الثقافة
الجوهرية، وليس ثمرة سياسات خاطئة طبقت خلال العقود الماضية من قبل حكومات
أو نخب سياسية محددة وفي شروط تاريخية واقتصادية وجيوسياسية محددة أيضا
وفي إطار الصراع الدامي على السلطة الذي شهدته دول خرجت لتوها من الوصاية
الاستعمارية. ومثل هذا التوجه في فهم الأوضاع يقود حتما إلى إدانة تاريخية
نهائية للمجتمعات وقطع أي أمل لها بالخروج من حالتها الراهنة التي تتحول
إلى حالة طبيعية تعبر عن حقيقتها الداخلية. وهو نفسه الذي يدين الدول
الكبرى التي تثير مشكلة العنف المتفجر في مناطق عديدة من العالم العربي
بألا تفكر بوسائل أخرى لمواجهته سوى اللجوء إلى عنف مقابل أشد منه - وهو
ما تدعو إليه في الواقع نظرية حرب الحضارات- وفي موازاته السعي إلى فرض
إصلاح يمس ما ينظر إليه على أنه جوهر الثقافة العربية من خلال تغيير مناهج
التربية والتعليم وإدخال ما يعتقد الكثير من المسؤولين الغربيين على أنه
قيم الحداثة التي تفتقر إليها الثقافة العربية إلى العقل العربي بالقوة
والإكراه.
إن القبول بمثل هذا التفسير لا يعني شيئا آخر سوى الاستقالة العلمية
والأخلاقية معا. فهو يتنكر لأسس العلم الموضوعية نفسها كما يفرغ مفهوم
المسؤولية الفردية من مضمونه ليحل محله مفهوم المسؤولية المجردة أو
الجماعية البدائي. لكن ما هو أخطر من ذلك هو أن مثل هذا التفسير يحول دون
فهم الأسباب الحقيقية لتفجر العنف في المجتمعات جاعلا من الفكرة المجردة
للثقافة نوعا من الخطيئة الأصلية التي توفر فحص طبيعة الخيارات السياسية
والاقتصادية والجيوسياسية التي تبنتها النخب الحاكمة والتي أوصلت الأوضاع
إلى ما هي عليه. ولا يمكن أن يكون وراء مثل هذا التفسير سوى الرغبة في رفع
المسؤولية عن هذه النخب لتبرير الموقف العدائي الشامل من مجتمعات بأكملها.
لكن في ما وراء هذه الاعتبارات العلمية والأخلاقية تقدم تجربة المجتمعات
جميعا وليس المجتمعات العربية وحدها تكذيبا مباشرا لهذا التفسير. فهي لم
تكف في العالم العربي كما هو الحال في اليابان والصين والهند وإفريقيا
وأمريكا اللاتينية عن السعي الحثيث منذ القرن التاسع عشر إلى تمثل معطيات
الحداثة المادية والتقنية والأخلاقية معا. ولم يكن هدف المعارك الرئيسية
التي خاضتها المجتمعات العربية في القرنين الماضيين شيئا آخر سوى تحديث
الدولة والاقتصاد والانعتاق الثقافي والاجتماعي من أسر النظم والتقاليد
والقيم البالية. بل لقد كان التعلق بالحداثة والتنمية هو المبرر أو مصدر
الشرعية الرئيسي لحركات مقاومة الاستعمار والحصول على الاستقلال. وقد أعقب
مرحلة التنظيمات والتحديثات الكبيرة التي أجراها الملوك والسلاطين
المسلمون في القرن التاسع عشر والتي كان لبعضها أثر قوي على دخول
المجتمعات في عصر الحداثة، كما كان حال مصر محمد علي، مرحلة النهضة
الثقافية التي أطلقت ديناميات قوية لتجديد الإرث الثقافي واللغوي وتغيير
منظومات القيم الاجتماعية السائدة. وتابعت حركة التجدد والتحديث مسارها
وتعمقت جذورها عبرعملية إصلاح الفكر الديني التي انتشرت في جميع أنحاء
العالم الإسلامي وأحدثت تحولا عميقا في رؤية الإسلام وموقفه من الحضارة
الحديثة معا. ولم تحد الحركات الوطنية والقومية التي جاءت بعدها عن هذا
الهدف. فقد ركزت جميعا على بناء الدولة الحديثة وترسيخ أسس الحياة
السياسية الدستورية وعلى استعادة السيادة والاستقلال من أجل صهر السكان
متعددي المشارب والعصبيات في بوتقة أمة واحدة تخضع لقانون المساواة الواحد
وإطلاق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ودفع عجلة التحديث والتصنيع
التي أعاقها الاستعمار والاحتلال.
فبعكس الكثير من الأفكار المسبقة الموروثة، كان تاريخ العالم العربي
والإسلامي الحديث، مثله مثل تاريخ جميع الأمم والشعوب، تاريخ انتصار قيم
التحرر والانعتاق والتقدم المادي والمعنوي والانخراط في الحداثة والعصر
على قيم التمسك بالتقاليد في جميع الميادين. ولم يحصل انقطاع فعلي في مسار
هذا التاريخ القائم على توسيع دائرة المشاركة والانخراط في الحداثة
العالمية إلا منذ السبعينات من القرن العشرين. وكان السبب الرئيسي لهذا
الانقطاع ولا يزال الإخفاق في الاندراج الفعلي، أي الفاعل والمنتج، في
الحضارة الحديثة، لا رفضها أو الخوف منها كما يعتقد الكثيرون. ولا يعود
سبب هذا الإخفاق إلى عناصر ثقافية محضة ومن باب أولى إلى موروثات ثقافية
عربية وإسلامية تم تجاوزها تماما في القرن الماضي، وإنما لأسباب متعددة
سياسية واجتماعية واقتصادية وجيوسياسية أيضا. وعندما نقول إنه يعود إلى
أسباب أخرى إضافية وربما أكثر تأثيرا من العوامل الثقافية فنحن نقصد أيضا
أنه لا يعود إلى عوامل داخلية فحسب، ولكنه نتيجة تفاعل العوامل الداخلية
والخارجية. وليس هناك شك في أن التفتت الجيوسياسي الذي ورثته المنطقة عن
الحقبة الاستعمارية كان أكبر أثرا في إعاقة نشوء سوق رأسمالية قوية
وبالتالي في خلق شروط نجاح عملية التصنيع التي جرت بعد الخمسينيات من
القرن الماضي من أي عوامل ثقافية أخرى. وبالمثل ليس هناك شك في أن الصراع
الدولي القوي على السيطرة والنفوذ في منطقة تحتل موقعا استراتيجيا مهما
على طريق إفريقيا وآسيا وتشكل بؤرة العالم الإسلامي وتضم أكبر احتياطيات
عالمية من الطاقة النفطية التي تحتاج إليها الدول الصناعية كما ترتبط أو
ارتبطت بمسألة إقامة إسرائيل والتمكين لها بوصفها الحل الأوروبي والغربي
لمسألة معاداة السامية التاريخية والتعويض عن محارق الحرب العالمية
الثانية واعتذارا عنها، أقول إن هذا الصراع الدولي في منطقة ذات رهانات
مادية وجيوستراتيجية ومعنوية عالمية كان أكبر أثرا في تحديد مصير الدول
والمجتمعات العربية في نهاية القرن العشرين من أي موروثات ثقافية أو
اجتماعية تقليدية.
لا نريد من هذا النقد لنظرية الأصل الثقافي للعنف أن نعفي الثقافة العربية
من النقد كما لا نريد من الحديث عن التأثير الخارجي أن نلقي اللوم على
الآخرين من غير العرب ولكن نريد المساعدة فقط على التخلص من النظريات
العنصرية التي تركز على الثقافة وعلى الموروث الثقافي لتغطي على الأسباب
الرئيسية التي ترتبط بعوامل تاريخية أكثر حيوية وفاعلية اليوم في تكوين
الدول والعلاقات الدولية، كالبيئة الجيوسياسية وعمليات تشكيل النخب
السائدة والحاكمة وتعزيز سيطرتها وتوجيه النظم الاجتماعية والسياسية وبناء
نظم المعرفة والتربية والتعليم الحديثة المدرسية وغير المدرسية التي كان
من المفترض، وهو ما حصل بالفعل، أن تعيد بناء الوعي الفردي والجماعي
وتساهم بالتالي في تجديد الثقافة العربية والإسلامية نفسها بدل أن تكون
ضحيتها. إن الهدف في الواقع هو توجيه الأنظار نحو الأزمة العميقة التي
نجمت عن إخفاق عملية تحديث العالم العربي بالعمق والتحاقه بالثورة التقنية
والعلمية وما أعقب ذلك من تدهور في بنية النظم المجتمعية والسياسية. |