CENTRE D'ETUDES DE L'ORIENT CONTEMPORAIN 

              صفحة البداية Home  
مركز دراسات الشرق المعاصر
بإشراف البروفسور برهان غليون  
Contemporary Orient Studies Center
Under the supervision of Professor Burhan Ghalioun






لقاء دولي حول "حوار العلم والدين في الإسلام"
بين الفيزياء والدين والفلسفة
باريس، متحف اللوفر 11- 13 يونيو ـ تموزـ 2005.

"وأما بالنسبة للخطب... التي ألقيت فقد كان من المستحيل لي كشاهد
استماع أن أحفظ النص الحرفي لكل ما قيل.
وعليه فقد تركت كل خطيب كأقرب ما يكون ـ في ظني ـ موافق
لظروفه وذلك بأن التزمت ـ بقدر الإمكان ـ بالخط الفكري لما قيل"
ثيوكيدس، مؤرخ إغريقي (460 قبل الميلاد)

حسن المصدق

عقد فريق الأبحاث المختص في”العلم والدين في الإسلام” ندوة علمية في متحف اللوفر، شدت اهتمام العديد من المراقبين والصحفيين والمتتبعين، بحيث كانت بحق ملتقى للعديد من الباحثين المختصين في الفيزياء والفلسفة والرياضيات وعلم الفلك على مدار ثلاث أيام، ساهم فيه العديد من العلماء المسلمين والمسحيين، حاول فيه الكل من منظوره ورؤيته بحث العلاقة بين الدين والعلم من منظور الإسلام.

وموضوع هذا اللقاء يبحث في محاولة تجاوز جريئة للرؤية التي استحكمت طويلا بالعلم والدين أنهما منفصلان ومتضادان وغير منسجمان في التوجهات والأهداف. فالدين بمثابة محاولة فهم الهدف الذي يدور من حوله الكون، والعلم محاولة لفهم الطبيعة وخصائصها. لذلك فكلاهما مرتبطان بالضرورة، ما دام إننا في المجالين نُسخِّر ونستعمل كل ما نمتلكه من حدس وملاحظة ومنطق وإحساس لبلوغ ذلك.

ومن هذا التفاعل بين العلم والدين الذي يستعمل موارد متشابهة، يجب تقريب الفهم الديني والعلمي بغاية تقديم معنى للحياة الإنسانية. فالدين والعلم بهذا المنظور متفقان لأنهما ينتميان إلى مجالين مختلفين جدا من الحقيقة. إن العلم يهتم بالناحية المادية الموضوعية للعالم، ومن واجبنا وضع مقولات صحيحة حول هذه الحقيقة الموضوعية وفهم علاقاتها المختلفة. أما الدين فيهتم بعالم القيم، بحيث يدور الحديث حول ما يجب أن يكون وليس عما هو كائن. إن القضية في العلم مصدرها " الصحة " و" الخطأ" بينما القضية الأولى في الدين تتعلق ب"الخير" و"الشر"، ما هو مليئ بالقيم وما هو فارغ منها.

وطابع الجدة والجدية في هذا الملتقى يبدأ من رفض إقصاء الدين عن العلم وفك العلم عن الدين، بل حاول البحاثة سن طريق منهجي يعتمد الجمع بينهما من منطلق التكامل في فهم سر الوجود والكون وآيات الله في خلقه. فإذا كان العقل سيد الأحكام فإن كل ما جاء في الكتب السماوية حق، وكل ما أفضى إليه العلم مما لا يناقض هذا وذاك فهو حق، إيمانا منهم بأن طريق العقل وطريق الروح لازمتين أساسيتان للسمو بالنفس وتهذيب الروح، ما دام أن الإسلام قد جعل العلم سبيلا إلى معرفة الله.

وبيت القصيد في هذا الطرح رد الاتهامات التي عادة ما تلقى في وجه الأديان بوصفها معادية للعلوم البحثة من جهة، أو تلك التي تفضي إلى اعتبار العلم وحده منطلق المعنى ومنتهاه وغايته، بل برهن العديد منهم خواء هذا الطرح عندما لجأ باستفاضة إلى أعتى وأقوى النظريات الفيزيائية والرياضية والبيولوجية ليبينوا مكامن القصور فيها وعدم قدرتها أن تطال الكون برمته أو تقدم تفسيرا كاملا شاملا مانعا لجميع الظواهر، مهما بلغت من سعة في المعرفة ودقة في التحليل.

غير إن أمرا واحدا على الأقل ينبغي الإشارة إليه، ويتعلق بعدم الاقتصار على مقولة "العلم ما نفع" التي تعلي من النظرة النفعية والمردودية ولو على حساب القيم الأخلاقية والمثل والفضائل الدينية. مرد هذا الأمر إن هؤلاء العلماء كمثل من يتصدى إلى حل خيط تشابكت أطرافه وتعقدت، فهم يبحثون عن طرف الخيط الذي يجمع بين الإيمان والعلم. فلا فائدة لعلم بدون قيم ولا جدوى لقيم إذا ما لم تسندها الوقائع وتثبتها التجربة.

يدافع هؤلاء الخبراء عن الربط بين ملكوت الرب وملكوت العقل بوصفهما معا تجليات، تجعل الاجتهاد واجبا على كل مسلم وجوب كفاية. كل ذلك من منطلق الاعتراف بأن هذا الميدان ميدان صعب المسالك، واحتمال الخطأ فيه كبير. لكن الخطأ يُصوَّب ويُقوَّم، لا يحارب. وتقييد الحرية، حرية البحث وحرية الرأي، جريمة أشد من الخطأ.

من بين هذه الأيام الثلاثة للملتقى كان هناك يوما مفتوحا للجمهور الواسع هو الذي ننقل هنا لمحة تحليلية حول أهم المداخلات التي شهدها:

كانت أول هذه المداخلات محاضرة عالم فزياء الفلك المسلم عبد الحق برينو كيدردوني،خبير شؤون الكواكب والمجرات بالمركز القومي للأبحاث العلمية ومدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية والذي صار على رأس المرصد الفلكي الفرنسي منذ بداية العام، حول:”آفاق إسلامية حول الحوار بين العلم والدين”، مركزا في بداية محاضرته على قصور الرؤية العلمية الميكانيكية والتجريبية التي تؤمن بالحتمية في تفسيرها لظواهر الكون، فلا الحقائق العلمية قارة وسرمدية وما تقدمه لا يصمد دائما أمام سنة التطور التي وضعها الله في خلقه.

والرؤية الفلسفية التي ينطلق منها ترى أن العلوم تحاول قدر إمكانها وعلى وجه الخصوص تقديم تفسير للأسباب الكامنة وراء الظواهر ورصدها رصدا حقيقيا من منطلق مبدأ التجربة والاختبار والقياس، واقتصارها على ذلك لا يمكنها من تقديم رؤية متكاملة، بل لا يسعفها في الحد من قلق الإنسان وما يقض مضجعه وأسئلته الحادة حول الحياة والموت، ومن أين جاء ولا إلى أين يذهب.

بالمقابل إن البحث عن معنى ما للحياة يتم بالسؤال عن الماهية والجوهر الروحي، أي نوع القيم والفضائل والمثل الروحية والدينية الضرورية له في سفره في هذا الوجود، وهو ما يتطلب بالأساس البحث المجرد في الأسباب الكلية وجوهر الاشياء والطريق الأمثل لها، فالأديان هي من تقدم معنى لحياته ووجوده، وتحاول المصالحة بين الفعل والقيم، وبين الحرية والمسؤولية.

فالدين والعقل وسيلتين للتعريف بالحقيقة، ولما كان الإنسان في طبيعة تركيبته مؤلفا من عنصر روحي هو النفخة الإلهية، وعنصر ترابي مادي، فإن الترقي والتنامي في اتجاه الله يكون شاملا بالعنصرين معا.

لا ينفي الباحث شرعية المقاربتين، بل نستشف من قوله اعتراف بجدوى المقاربتين العلمية والدينية في مجالهما، لأن كل منهما يمتلك مبررات شرعيته في حقل اختصاصه، على الرغم من أنه انتقد نزعة الهيمنة والوثوقية وسائر التفاسير المبنية على الحتمية التي تعج بها النظريات العلموية.

من الحقيقة بمكان الاعتراف بمحدودية العلوم البحثة والدقيقة، حيث تأكد اليوم أنها أبعد ما يكون من صياغة معرفة كونية مطلقة، فكل نظام رياضي وفيزيائي يحبل بالثغرات وهناك قضايا لا يمكن أن يستدل عليها بالصحة أو الخطأ، فهي تتأرجح بينهما، وهو ما يعني محدودية العقل البشري الذي ورائها.

فإذا كانت المقاربة العلمية في نظره لها شرعيتها التي تتأتى من الخبرة والقياس والتجربة، فحقل الدين مناط بفهم قلق الوجود وما يعتمر به من أسرار كمستقبل الأرض والحياة الإنسانية التي تؤرقها اليوم مشكلات بحجم العنقاء كالتنمية وتصاعد الحرارة في الكوكب... والبحث عن مستقر لحياة متسارعة ومتغيرة لهذا الإنسان في الوجود حتى يصون حياته من الدمار والفوضى والسديم...

والدين الإسلامي مهيأ لاحتضان الأسئلة الكبرى التي تجعل من الاكتشافات العلمية الكبرى دليل الله في الكون، وأن الكون غير مكتف بذاته لأنه ومن وحي قدرة خارجة عنه، ما دامت العلوم الرياضية والفيزيائية اليوم عاجزة عن تقديم معرفة لا يأتيها الباطل من أمامها أو خلفها. اعتبارا لقول الكتاب الكريم:”وفوق كل ذي علم عليم”.

فوحدة العلم لا تنفصل في الإسلام عن وحدة الخلق ووحدانية الخالق، كما لا تنفصل المادة والروح في الكائن الحي.

ومهما يكن، يتابع الباحث في مداخلته وضع حجر الأساس لهذا التفاعل الإيجابي، انطلاقا من مبدأ التكامل لا المفاضلة بين العلم والدين، بوصفه الهدف الذي تنطوي عليه مداخلته التي تنتقد على حد سواء، هؤلاء الذين يسرفون في تفسيراتهم معتبرين إن جل الاختراعات العلمية موجودة في القرآن بتفصيل، وبالتالي كفانا الله شر القتال، وهي نزعة مغالية وثوقية دوغمائية لا تساعدنا في شيئ للخروج مما نحن فيه، بل تحيط بالدين هالة احتفالية هو في غنى عنها. كما لم يسلم من انتقاده هؤلاء الذين يكتفون بتأويل ظاهر النص إذا خالف التجربة والاختبار والحقائق العلمية، يحاول من خلالها أصحابها إثبات وجود الله إثباتا علميا وبناء عليه، حتى أحالوا كتاب الله كتابا في الفيزياء!

وفي هذا الباب يقف الباحث متأملا الوضع الإسلامي حاليا للعلم، فيرصد أيضا ذلك الموقف الذي يقوم على تبني مقولة الإعجاز الديني في العلوم البحثة، وليس المراد منها هنا إعجاز القرآن اللغوي للسان، بل محاولة أسقاط أصحابها ذلك على العلم وعالم الاختراعات العلمية ونسبتها في كل آن وحين للقرآن باعتباره أول من أشار إليها ومتضمنة فيه مسبقا.

فبين من ينطلق من التجربة للإيمان ومن يعتبر الإيمان سابق على البرهان العلمي، يتجلى طريق ثالث في نظره يزاوج بينهما من خلال الإبقاء على التوتر بين المجال الديني والمجال العلمي، أو كل منهما على حدة وفي مجاله الخاص به.

ويؤكد الباحث إن المطلوب اليوم غير ذلك تماما، فالمطلوب ليس التأسيس لفيزياء قرآنية بقدر ما هو مطلوب التأسيس لميتافيزيقا قرآنية جديدة تبلور أفقا إسلاميا يتماشى مع متطلبات العصر وقضاياه. فالقرآن بهذا المعنى عالم، وعالم اليوم عبارة عن كتاب، وكلاهما لا يستغني عن الرموز والإشارات والآيات، آيات الله في خلقه، فوجب تأويل تلك الإشارات والآيات وفك طلاسمها، لأن في فهم آيات الله حبا فيه.

والتوتر بين المجالين مرده هذه الرؤية التي تعتبر أن " السببية" التي كانت تعتبر إلى أمد قريب أقنوم العلم الحديث طرحت إشكالية كبيرة في عالمنا المعاصر، سيما أنه عادة ما لجأ العلم المعاصر للتنبؤ بأحداث المستقبل انطلاقا من المعارف التي نملكها حول أحداث الماضي وبطريقة كمية، بحيث أخذ هذا التنبؤ مجراه التطبيقي والعملي بالاستدلال على العلاقات السببية بين الأحداث. غير إن الفيزياء الكوانطية أطاحت بالسببية وأفسحت المجال مكانها للاحتمالية والارتيابية والنسبية.

يفسر كيدردوني كيف تم سحب البساط من نظرية أوقليدس الهندسية ورفض بدهية التوازي، ليتم افتراض أن السطح ليس مستويا بل مقعر، مشيرا إلى الألماني ريمان (1826- 1866) الذي افترض أن السطح محدب، ووضع نسق هندسة لا أقليدية لا توجد فيه أي خطوط متوازية على الإطلاق. فأدركنا أن الله يمكن أي يخلق مثلثات زواياها أكثر أو أقل من قائمتين.

فالنسبية تنظر إلى العالم كفضاء متعدد الأرباع ذو مضمون مجالي تتفاعل في تمظهره حشد من الجسيمات المتفاعلة ببعضها البعض. فالمجال هو الأصل، والجسيم هو المشتق، خلافا لما هو عليه الحال مع فيزياء نيوتن الميكانيكية التي تعتبر الجسيم الأصل في كل مظهر من مظاهر الوجود. فليس هناك مكانا مطلقا يشكل مرجعا مطلقا لجميع الأجسام والأجرام، لأن الفيزياء الكوانطية ترى أن ليس هناك دليل على وجود مكان مطلق. فلا فرق حركيا بين الأرض والشمس ومجرة أخرى، فجميعها موازي من حيث صلاحيته للملاحظة والقياس. إذ يبحث مبدأ النسبية العامة على قوانين كونية لا تتأثر بتاتا بموقع الملاحظ ولا بحركته من أي موقع تختاره اعتبارا لوحدة الزمان والمكان.

ومع ذلك يشير عبد الحق برينو غيردوني أن هذا التطور الجبار لم يخلو بدوره من صعوبة، ففيرنر هازنبرغ مثلا عندما وضع مبدأه الشهير " مبدأ اللاتعيُّن" أخذ في اعتباره أدوات القياس أو الأجهزة المختبرية وتأثيرها هي بدورها في عملية رصد الظواهر، لنخلص إلى استحالة تعيين موضع الإلكترون وسرعته في آن واحد على وجه الدقة، لأننا إذا رغبنا في قياس سرعته أثرنا الاضطراب في موقعه، وإذا رغبنا تحديد موقعه لا بد من إثارة الاضطراب في سرعته. بحيث إن الدقة في قياس أحد الجانبين تتم على حساب تحديد الآخر بدقة.

يبرهن هذا العالم كيف يتداخل العامل الذاتي والعامل الموضوعي في أدق النظريات الفيزيائية وأقواها، ولا غرابة إذ كان ألبرت أينشتاين هو نفسه من قلب المعادلة واعتبر أنه ليس هناك انفصال بين الدين والعلم، لأنه يعتقد أن "النظام المركزي" ينتمي بنفس القدر إلى " المجال الذاتي" و" المجال الموضوعي للأشياء".

ومهما يكن فالباحث عالم فيزياء بالدرجة الأولى، همه الأول والأخير البحث في أسباب وعلية الظواهر الكونية بطرق علمية وليس بطريقة دينية إيمانية. مما يكشف عنده أن السببية التي يبحث عنها العلم فرعية كمية، وهي في حاجة إلى أن تسترق السمع وتوجه بحثها نحو سببية كلية جوهرية.

ومن القضايا الساخنة التي عرج عليها الباحث في عرضه وتهُم البلدان العربية والإسلامية في مجال حوار الدين والعلم في الإسلام ما يعتبره معوقات شديدة تحول بينها وبين حوار جاد بين العلم والدين فيها:

- التخلف الكبير والضاري الذي يعاني منه التعليم العالي والبحث العلمي .

- عدم مشاركة العالم الإسلامي في الحوار القائم بين الدين والعلم.

- الصعوبة الكبيرة التي يجدها في الاعتراف بالاختلاف وتعدد الآراء، إن لم يكن يعتبر تلك التعددية اعتداء عليه وعلى مثله وقيمه.

- النزعة النرجسية والتقديسية التي تربطه بالماضي، في الوقت الذي لا تدرس فيه مساهمات علماء تلك المرحلة الذين طواهم النسيان، ويشير على سبيل الإشارة التاريخية في هذا الباب تواجد 150 عالم فلكي في بيت الحكمة ببغداد، لا نعرف عنهم شيئا أو إلا القليل.

- يؤكد إن مكانة العلم في قلب الإسلام نصا وتاريخا وليست غريبة عنه.

أما المداخلة الثانية فقد عرضت منظورها للعلاقة بين العلم والدين في الإسلام من منظور فلسفي، قام به الباحث محمد طالب، تحت عنوان:”الرهانات الفلسفية والشروط المعرفية لحوار العلم والدين في الإسلام”، استهل بها نقض التصور الذي يرى المعرفة العلمية برؤية خطية عمودية تطورية، وكأنها ظاهرة تنمو وتتدفق باطراد نحو الأمام من دون أزمات وانتكاسات قد تصيبها. ويسترشد في هذا المضمار بنموذج القياس الإرشادي (الأنموذج) الذي يفسر الانتقال من أنموذج علمي إلى أنموذج علمي آخر، والموضوع من طرف الفيزيائي توماس كون (1922- 1996) الذي غيرت الشيء الكثير من الاعتقادات حول طبيعة العلم وعوامل التقدم فيه.

مفاد هذه النظرية القطع مع النظرية التي ترى التاريخ يسير في مسار حتمي مجبول عليه لا يزيح ولا تتعرج خطواته، لنفهم من ذلك أن تاريخ العلم لا تتحكم فيه نوع من التعاقبية بدون صعود وهبوط وتقدم وانتكاسة ومنحنيات ومنعرجات...فتقديم تاريخ للعلم الإنساني لا يجب أن يحجب عنا المرحلة العادية التي يمر بها أي علم حتى يستوي كنظرية ثم مرحلة الأزمة التي قد تعترض قواعده ومرحلة الثورة التي تشنه عليه عوامل من صلبه أو من خارجه، توصل فهمه للظواهر الطبيعية إلى الباب المسدود. وعليه يصبح أمر نقضه وتجاوزه مهيأ السبل. مما يفتح المجال للخروج عنه وظهور نموذج جديد.

ولعل الباحث يحمل موقفا ضد تاريخي للعلم وغير مقتنع بأن التقدم المستمر هو دائما مآل العلم، بل إن هذا الاعتراض يقوم على نقض مفهوم التراكم إذا أخذ على منوال خط مستقيم.

ينطلق الباحث من محاولة استقراء ما وقع بالفعل في تطور العلوم تاريخيا وما قطعه العلم من مراحل، بحيث يرىمثلا، إن ظهور النموذج العلمي الحديث بفضل ديكارت ونيوتن وغاليليو يعود إلى أربعمائة سنة بعد سقوط النموذج القديم القائم على القياس والتخلص من علم التنجيم والخيمياء ( الكيمياء القديمة) اللذان طُرِدوا من حظيرة العلم الذي امتاز به العصر الوسيط، بحيث قام هذا الأنموذج الجديد على الاختزالية المنهجية(réductionnisme méthodologique) وليس على القياس (analogie) كما كان الأمر من قبل.

إذ بدأ ديكارت يدرس القواعد والمبادئ العامة فيطبقها على الأجزاء، أي أن المنهج أصبح استنتاجا بعد أن كان استنباطا، منه: “من يستطيع الكثير يستطيع القليل. أو من يملك الكثير يملك القليل”... و”الكل أكبر من الجزء”...أو “النقيضان لا يصدقان على شيئ واحد في وقت واحد”.

فلقد حل مع ديكارت مبدأ الاستنتاج العام والتخصيص. ثم إن ظواهر الطبيعة يتم الوصول إليها من خلال المبادئ العامة، وديكارت عزل نفسه عن أرسطو ومقولاته التي كان يفسر بها الكون وتخلى عن الاستنباطية والخلط بين الأسطورة والعلوم. والواقع إن المعلم الأول أرسطو ميز في كتابه "التحليلات الثانية" بين المبادئ المشتركة للعلوم ( وهي قوانين الفكر الأساسية: قانون الهوية أي "أ" هي "أ" ـ وعدم التناقض والثالث المرفوع أي إن الشيئ إما " أ" وإما لا " أ" لا وسط أَيْ لا طرف ثالث). إذ قدم أرسطو الجوهر الجزئي على الجوهر الكلي، ومقولات الجوهر (الشيئ القائم بنفسه الحامل لغيره، والذي لا يفتقر وجوده إلى شيئ أخر) ومقولة الكم والكيف ومقولة الإضافة ومقولة المكان ومقولة الزمان ومقولة الوضع ومقولة الملك والفعل والانفعال تشير إلى كيفية تعرف العقل على العالم الخارجي. فلا شيئ عند الإغريق يمكن أن ينبعث من لا شيئ، ولا شيئ يحدث لغير شيئ... وتراثهم إذا كان ذو بذرة جيدة، فلقد غرس في أرض صلدة.

وبعد وصول منطق أرسطو إلى الباب المسدود، شهد الغرب ميلاد أنموذج علمي جديد يقوم على التجريبية والعقلانية يعترف للإنسان بقدرته أن يعرف الخير والشر بذاته.

غني عن القول إن تاريخ النماذج في تاريخ العلم ليس تاريخ قطيعة بل تاريخ تجاوز. وقلما يشير الباحث ما نفكر في منطق نظرية علمية، وبالتالي يصعب معرفة كنهها وما تريد، فالمنطق الذي هيمن في النموذج الميكانيكي قام على منطق أرسطو، بحيث هو من أطر الفكر الميكانيكي ( الربط آليا بين السبب والمسبب). غير إن هذه الميكانيكية تم نقضها بدورها بما يعرف عند ألفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران بالتعقيدية (complexité) التي تلف بجميع مناحي الحياة. إذ يصبح الاختلاف مابين العلم وما هو ليس بعلم، وليس بين ما هو علمي وما هو ديني. أي إن الفرق الحقيقي هو مابين العقل المفتوح والعقل المنغلق.

وبالعودة إلى فلسفة العلم يطرح الباحث مسألة الحوار بين العلم والإسلام، فيطرح سؤالين أساسين:

- ما الذي يمكن أن نجده في العلم يمكنه الدخول في حوار مع الدين؟

- وما الذي يمكن أن نجده في الدين بوسعه الدخول في حوار مع العلم؟

وفلسفة العلوم بهذا المعنى تؤكد حقيقة لا غبار فيها، مفادها التوتر الدائم الموجود في أي نظرية علمية ومحاولتها إخضاع الواقع إلى قواعد صورية من جهة أو تأويله من جهة أخرى.

فما بين الوصف والتأويل يتأرجح العلم، حتى عدنا نلاحظ اليوم غلبة وهيمنة إخضاع العالم في قوالب جاهزة وأشكال صورية وأنظمة حسابية، جعلت من العلماء مجرد تقنيين... بالمقابل نجد توترا حادا في الدين بين الإيمانية واللاهوتية ( بوصفها كبحث في اللاهوت)، أو إذا شئنا القول التوتر بين الإيمان والتفكر والتأمل كما يحصل الحال عند الذات العارفة الصوفية.

ولذلك يجنح الباحث في مداخلته بعد رصده لهذه التوترات القائمة في صلبهما، إلى الإقرار بإمكان عقد حوار بين العلم والدين عن طريق الفلسفة والحكمة. فالفلسفة بمثابة الدعامة التي تقر بهذه التوترات وتجيز البحث فيها دون قيد أو شرط.

ويذهب بعيدا في ذلك عندما يقرر بأن سبيل الخروج من الجدال العقيم الذي اعتدنا عليه بين العلم والدين، هو الإقرار بأن هذا الحوار سيتم من خلال عملة واحدة لها وجهان: الوجه الأول هو فلسفة العلوم والوجه الثاني هو فلسفة الأديان. والمشترك بينهما هي الفلسفة.

فالإشكاليات التي تمور بها العلوم التطبيقية تجد مجال التفكير الحر فيها في فلسفة العلوم، والمسائل التي تهم العرفان والبرهان والبيان الديني موضعه الحكمة ـ الفلسفة ـ. والفلسفة محقة بذلك لأنها سؤال المعنى على كل حال.. وفي كل الأحوال. فالدين يبحث في جوهر العلات، في حين يبحث العلم في الظواهر الطبيعية ويحلل العالم في كميته موضوعيا، وهو غير مقصور على حضارة بعينها وأمة بعينها، فالمتأمل لتاريخ العلم يجد مشاركة الشعوب فيه قائمة ومتواصلة عبر التاريخ، وليس العلم مقتصرا على حضارة وأمة بعينها. فالعلم في الغرب اليوم ساهم فيه العرب بشكل وطيد، وأي محاولة لتسييجه باسم دين ما أو حضارة بعينها مجانب للصواب. ولعل ما يقصده الباحث أمر ذو شنآن ما زال يلقي بثقله في الساحة العربية والإسلامية من جهة والساحة الغربية من جهة أخرى. الأول يهم ما اصطلح عليه بأسلمة أو إسلامية المعرفة وهو أمر غير ممكن، لأن حقائق العلوم حقائق كونية وغير مقتصرة على جنس بعينه أو دين أو شعب دون غيره، وهي غير محلية. بالمقابل يرد الباحث اتهامات بعض المفكرين الغربيين الذين يرون في الإسلام كدين حاجزا للتطور والتقدم والحداثة، داحضا ذلك بالحجة والدليل مساهمة المسلمين الفعلية عبر التاريخ، في التقدم والرقي الذي وصلت إليه العلوم حاليا.

وما يهدف إليه الباحث عبر هذا الحوار بين العلم والدين تجاوز النزعة التقليدية والنزعة التمجيدية للماضي من جهة ومناهضة التقانية الأداتية التي سيدتها النزعة الرأسمالية في العالم كنموذج أمثل ووحيد من جهة أخرى، وذلك بالجمع بين مؤهلات الماضي التي أخذها وطورها الغرب دون الوقوف عليها فحسب، وطرح سؤال الانحطاط والانتكاسة الذي يلم بنا في جميع المجالات.

وإعداد هذا النموذج يتم من خلال الخروج من تلك النظرة المتخيلة للغرب وإزاحتها من لا وعينا، فالغرب ليس كتلة هلامية متجانسة، ثم النفاذ إلى فهم النزعة المنفعية السائدة فيه عبر الربط بين استقلالية الفرد كقيمة عليا والحرية، حرية الفعل والمبادرة...

فلقد سبق لبرتراند رسل( 1872- 1970) أحد أكبر فلاسفة الغرب أن قال:”في العصور الوسطى المظلمة كان العرب هم الذين يقومون بمهمة تنفيذ التقاليد العلمية، أما المسيحيون ...، فقد اكتسبوا منهم إلى حد بعيد ما اكتسبوه من معرفة علمية حازتها العصور الوسطى اللاحقة”. (1934:22)

وما يدعوا إليه الباحث ليس تمثل الغرب والذوبان فيه بقدر ما يعني صياغة نموذج إنساني كوني لا يقطع مع الآخرين وإنما يتجاوزهم، فالغرب لم يقطع معنا لأنه أخذ منا، وفك الغلالة بين التحديث والتغريب، يعني الفصل بين التغريب ومشروع الحداثة في العالم العربي. والحداثة بهذا المعنى مدخل ضروري لتحقيق الذات وفك التبعية.

أما المداخلة الثالثة فلقد قام بها جون فرانسوا لامبير أستاذ مختص في سيكولوجية الجهاز العصبي بجامعة فانسين تحت عنوان:”العلوم العصبية والفلسفة”، بحيث ينطلق من إشكالية الربط بين الوعي والدماغ والمفارقة الموجودة أمام الدارس عند محاولته تعريف الوعي والصعوبة التي تصادفه في ذلك: بحيث عادة ما نجد عدة مرادفات لها: كالفكر والذهن والنفسية أو الروح التي تشير في مجملها إلى النشاط النفسي الواعي أكثر من إشارتها إلى النشاط النفسي اللاواعي.

لا ينكر الباحث دور علم النفس المعرفي الذي يدرس الاختيار والحرية والإرادة التي ألغاها علم النفس السلوكي من دائرة اهتمامه، ليساهم بدره في معرفة الطرق التي يفكر بها الإنسان ويكشف كنه معرفته وتصوراته كمحددات أساسية للشعور والفعل والسلوك، ثم ما تلى ذلك من مقابلة الذكاء الاصطناعي بالذكاء الطبيعي والعقل الإنساني بالعقل الإلكتروني...

قد يقول قائل أن فضل ذلك كثير، بحيث تمكنا من خلال الفيزيولوجيا العصبية وعلم النفس المعرفي تعريف الدماغ وتحليل وظائفه وعناصره (المخ والمخيخ والنخاع المستطيل= الثلاثة يشكلان الدماغ)، وإن كان الأمر ليس تحصيل حاصل أو بالسهولة التي نظن يضيف الباحث ولو فيزيولوجيا، ما دام إن الجهاز العصبي للإنسان معقد بطريقة ليس من السهل الوقوف عليها باستفاضة تامة، ذلك إن لكل جزء من أجزاء الجهاز العصبي مهام ووظائف متشابكة ومتعددة ومعقدة.

ولا بأس يشير الباحث من اللجوء للفيزيولوجيا العصبية لتبيان محدودية ذلك، فالجهاز العصبي ينقسم إلى كل من: 1)- الجهاز العصبي المركزي ويشمل المخ والنخاع الشوكي.

2)- الجهاز العصبي الطرفي ويشمل الأعصاب المخية (الدماغية) والأعصاب الشوكيةـ الجهاز العصبي الذاتي.

وهذه الأعصاب ذوات أهمية كبرى لأن الأعصاب الدماغية والأعصاب الشوكية لا تقوم بنقل الإثارات الحسية التي تمككنا الإحساس بما يجري حولنا فحسب، ولكنها تنقل أيضا الإثارات العصبية التي تدفع عضلاتنا إلى العمل. فالأعصاب التي تحمل الأحاسيس من الجلد وأعضاء الحس إلى المخ والنخاع الشوكي (spinal cord) هي الأعصاب الحسية (Sensory Nervous) التي تنقل الرسائل عبرها في اتجاه الجهاز العصبي المركزي (Central Nervous system)، أما الأعصاب التي تحمل الإثارات التي توضح لعضلاتنا كيفية الحركة والعمل فتسمى الأعصاب الحركية (Motors nerves).

لقد استطاع علم الأعصاب النفاذ إلى وظائف الأعصاب الدماغية ليرصد اثنى عشر زوجا من الأعصاب الدماغية تقع في السطح الأسفل من المخ ( وهذه الأعصاب هي العصب الشمي (الشم) والعصب البصري (البصر) والعصب المحرك للعين والعصب البكري والعصب المبعد( وكلاهما يحتوي على ألياف حسية وحركية معا) والعصب التوأمي الثلاثي(= عصب مختلط يحتوي على الألياف الحركية التي تتحكم في عضلات المخ يقوم بحمل رسائل حسية إلى المخ من معظم أجزاء الوجه، وفي الوقت ذاته يحمل في الاتجاه العكسي الأوامر التي تتحكم في عضلات المضغ) والعصب الوجهي.

وتفيد العلوم العصبية بقدرتها اليوم على حصر جميع أنشطة الدماغ وتصويرها وهي تقوم بوظائفها. غير إن هذا العالم يرفض رفضا باتا أن يستطيع علم الأعصاب أن يستطيع أن يقدم المعلومات ذاتها عن التغييرات النفسية والمزاجية التي تظهر بين الحين والآخر، بل يتحدى علم الفيزيولوجيا العصبيةأن يستطيع تحديد بدقة العلاقة بين الدماغ والروح أو النفس خزان الانفعالات، وكيف يتم الربط بين الأعصاب وحالات الفرح والحزن والحماس والغضب والخوف في المخ...

فحتى التصوير الضوئي لأنشطة الدماغ المختلفة لا يستطيع على وجه التحديد فك شفرة سائر الرسائل المتبادلة بين جميع أجهزة المخ وبالأحرى سائر أعصابه.

فإذا قورن المخ البشري بالمخ الإلكتروني فإنه على وجه التقريب يحتوي على 15 مليون أنبوبة إلكترونية بالعودة إلى أعمال جوهانسون شالريه الذي يؤكد إن المخ البشري يحتوي على 1500 مليون خلية عصبية كل خلية منها تعمل بقوة واحدة على الألف مليون من (الوات) ويعمل المخ كله بقوة تبلغ حوالي عشرة وات.

لذلك فما نقيسه إلا جزءا بسيطا من النشاط العصبي وليس كله...

وأنى لهذا العلم أن يستطيع أن يقدم معرفة طبيعية تحدد الجزء المظلم فيه الروح. فالقول بإمكانية حصر جميع أنشطة الدماغ رياضيا وحس&