| CENTRE D'ETUDES DE L'ORIENT CONTEMPORAIN |
|
|
بإشراف البروفسور برهان غليون Contemporary Orient Studies Center Under the supervision of Professor Burhan Ghalioun |
الإسلام
في الصين ، وإشكالية الاقليات القومية
هل يمكن الحديث عن هذه
القوميات العشر، رغم
انتمائها جميعاً للإسلام، ورغم تواجدها في إطار جيوبولتكي واحد ، بنفس
المنطق ؟
بمعنى هل يمكن اختصار الإشارة إلى كل هذه القوميات بأنهم مسلمو الصين ؟
وهل ثمة من إمكان للحديث عن صينيين مسلمين
بالإضافة إلى
المسلمين الصينيين ؟؟
ما يمكن التأكد منه
– فيما يتعلق بمسلمي
الصين - بأنه رغم تمكن السياسة الوطنية المركزية
، فرض اللغة الصينية كلغة وطنية
مشتركة للإعلام، والتعليم الوطني (المركزي)، عبر برامج تعبوية مختلفة،
ومعقدة
وطويلة المدى . إلا أن معظم مسلمي الصين ، بالمعنى السياسي للكلمة، لا
يتحدثون في
حقيقة الأمر اللغة نفسها.
بل
انهم لا ينتمون إلى التاريخ نفسه، أو الموروث الحضاري... حيث يكاد يكون
لكل قومية
منهم لغة خاصة، وتاريخ وواقع ثقافي
وحضاري متميز. بحيث لا يلتقي أو يتقاطع أحد أبناء هذه القوميات العشر مع
غيره من
أبناء القوميات الأخرى إلا في حقيقة الاعتقاد، وشهادة إن لا اله إلا الله1.
على
هذا الأساس، و إذا ما أخذنا بوجهة النظر التي تطرحها اكثر النظريات شيوعاً
عن
"العرقية" كاتجاه ثقافي أو لغوي صرف لتحديد "الهوية"، نجد إن
مفهوم "الصينيين المسلمين"، غير صالح لأن يطبق
على غير أفراد قومية واحدة من هذه القوميات العشر المسلمة، وهي
قومية "الخوي". فهم وحدهم، بالمعنى العرقي والتاريخي والحضاري
والسوسيولوجي، بل الانثربولوجي للكلمة، من ينتمون إلى الأصل الصيني. وهم
وحدهم من
يستخدم اللغة الصينية، التي هي لغتهم القومية واليومية، ويعيشون ويتوزعون
على كافة
أرجاء الصين كغيرهم من الصينيين الذين يعرفون "بالخان".
ومن
هنا يأتي الإشكال الأول فيما يتعلق ومسألة الإسلام في الصين : على أي أساس
يمكن
فصل "الخوي" عن بقية "الخان" وتصنيفهم كأقلية قومية مختلفة ؟
لمجرد اعتقادهم الديني؟
على
انه، في الوقت الذي تحاول فيه الدراسات الأكاديمية المتخصصة، خاصة تلك
المتعاطفة
مع قضية "الخوي" التأكيد على إن هؤلاء، رغم اعتقادهم بديانة سماوية، وهو
الأمر الذي لم / ولا تعرفه العقلية الصينية، والتي لم تجعل مكاناً للما
وراء في
تاريخها الفكري، ليسوا عنصراً مختلفاً عن التركيبة الصينية العامة ولا
يمكن
اعتبارهم بحال عرقاًَ آخر غير العرق الصيني، كما هو موقف درو جلادني
الخبير
الأمريكي في الدراسات الصينية، الذي يذهب في كتابه "الصينيون المسلمون" 2إلى نحت تركيبة لغوية جديدة في
اللغة
الإنجليزية للتفريق بين مسلمي الصين، والصينيين المسلمين. مؤكداً على
انتماء
"الخوي" إلى هذا الفريق الثاني . كذلك موقف فرانسواز اوبان الخبيرة
الفرنسية في الدراسات الصينية، ومديرة
الأبحاث حول الإسلام في الصين بمركز الدراسات الصينية في باريس، والتي
تذهب في
مقال لها إلى اعتبار حقيقة ودينامية الإسلام في الصين دليلاً كافياً على
تفاهة
الأحكام التي كانت تنشرها الدعاية التبشيرية، أو المضادة لها في القرن
الماضي، عن
كون الصينيين قلما يميلون إلى الروحانيات أو التضحية بحياتهم من اجل هدف
ديني. وهي
تشير إلى نضال الصينيين المسلمين من
"الخوي" في سبيل الدفاع عن معتقداتهم، ومواجهة مختلف العمليات العسكرية
القمعية التي كانت تشن ضدهم في محاولة لردهم عن دينهم وصرفهم عنه. 3
أي
أنها لا تتحدث هنا عن "الخوي" إلا باعتبارهم صينيين ككل الصينيين، وهو
ما يشكل بديهية في خطابها الحضاري حول الصين نفسها كدولة وطنية. مع ذلك،
فان هذا
الموقف المتعاطف - إن صح التعبير- سيجد نفسه في مواجهة مع مشاعر الخوي
أنفسهم !
الذين ظلوا يقاومون مختلف استفزازات الانصهار مع "الخان"، تمسكاً
بدينهم، وخصوصيتهم الحضارية. على هذا الأساس كانوا يذهبون قدر الإمكان
للتميز عن
هؤلاء، سواء في مأكلهم أو ملبسهم
، ومسكنهم، والانعزال
عنهم . بل إلى وضع حدودا صارمة وشاملة بينهم وبين الخان، بحيث لا يأكلون
من
طعامهم، ولا يجعلون من يأكل لحم الخنزير مثلاً – وهو الطعام السائد
في البلد –
يقترب من أوعية مأكلهم.. أو.. أو. حتى انهم قد يذهبون أنفسهم للقول بأنهم
"كخوي" عرق مختلف عن "الخان"!
قبل
الأخذ بتحليل هذا الإشكال الخاص، نحتاج أولا للتطرق لبقية القوميات
المسلمة في
الصين، والتي تم دمجها – على العكس من قومية الخوي- عنوة بالدولة
الوطنية الصينية،
حيث لا تزال غالبيتها تقطن أوطانها الأصلية، والتي ضمت إلى الصين بقرار
سياسي أو
عن طريق الغزو العسكري المباشر. كما حدث مع بقية الإمارات الإسلامية
الأخرى في
آسيا الوسطى والقوقاز من طرف القوات الروسية. ولا تزال كل هذه القوميات
تتحدث
بلغاتها الأصلية ،
وتكتب بها، وتعيش ذاكرتها الحضارية التي لا تمت إلى الصين، بأي صلة، على
الرغم من
ضراوة الحصار التعبوي للثقافة المركزية .
حيث تأتي، قومية "الويغور "،
بحسب
آخر إحصاء رسمي، مباشرة بعد قومية الخوي على قائمة القوميات المسلمة
الأخرى في
الصين بالنسبة لعدد أفرادها.
والويغور هم مسلمو
تركستان الصينية ويعيشون
في المنطقة التي يطلق عليها الصينيون أسم
سينكيانج أو< الوطن الجديد>، أو< الأرض الجديدة>، باعتبار أن
هذه
الأرض قد تم ضمها حديثاً للكيان الصيني الذي استقبلها كأرض جديدة.
ويتحدث الويغور اللغة التي
تعرف
"بالويغورية" وهي من أرومة اللغة التركية القديمة، ويستخدمون الحروف
العربية في الكتابة.
*
تأتي قومية القازاق مباشرة بعد قومية الويغور. وتعود بأصولها إلى مناطق
الجمهورية
التي تحمل نفس الاسم في آسيا الوسطى.
وقازاق
الصين يعيشون في تركستان الشرقية، وقانصو، وشنغهاي. ولغتهم كذلك من أرومة
اللغة
التركية القديمة ويستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
*
تأتي بعد ذلك قومية "الدونغشيانغ"، وهم شعب من أصول منغولية. يستخدم هنا
مفهوم (المنغول) بالمعنى الخاص للكلمة للدلالة على الشعب الذي يسكن هضبة
منغوليا
الداخلية والسهول الواقعة ما بين سلاسل جبال "تيان شان"،
و"الشاي". وهم يتحدثون بطبيعة الحال اللغة المنغولية، ويتمتعون بالحكم
الذاتي في مناطق ينشيا الشرقية. بينما يسكن بعضهم منطقة شينيانغ.
*
بعد الدونغشيانغ تأتي ـ من حيث عدد أفرادها – قومية القرغيز. وهم
شعب من أصول
تركية،وهجرتهم تاريخيا نحو الصين كانت عن الأراضي التي تعرف بغرغيزستان في
آسيا
الوسطى ، والتي صارت اليوم جمهورية ذات سيادة تحمل نفس الاسم.
وهم
يعيشون في الصين في ولاية ذات حكم ذاتي تابعة لمقاطعة السينكيانغ. أما
لغتهم فهي
من أرومة اللغة التركية القديمة كذلك ويستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
*
نجد السالار بعد القرغيز مباشرة، ويتركز أبناء هذه القومية في محافظة
"تشيهو" ذات الحكم الذاتي في شنغهاي. بينما تنتشر البقية في محافظة هو
الونغ المجاورة، وفي منطقة داخو جيا في ولاية لينشا ذات الحكم الذاتي
لقومية الخوي
في قانصو. أما لغتهم فهي من أرومة اللغة التركية كذلك ويستخدمون الحروف
العربية في
الكتابة.
*
الاوزبك : يأتون بعد السالار في العدد، وهم يتعايشون مع الويغور في
سينكيانغ،
ويتحدثون لغتهم الخاصة من أرومة اللغة التركية. ويستخدمون الحروف العربية
كذلك في
الكتابة.
*
الطاجيك : ينتمي طاجيك الصين في حقيقة الأمر إلى نفس الشعب الذي تضمه
جمهورية
طاجيكستان المجاورة، وهم يسكنون وطنهم الأم على جبال البامير التي ضمتها الصين عنوة. وهم يتحدثون اللغة الفارسية،
ويستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
*
قومية "البوان" وهم يمثلون الفرع الثاني من الهجرة المنغولية نحو الصين.
وهم يتحدثون اللغة المنغولية كالدونغشيانغ.
*
تأتي أخيرا قومية التتار كعاشر قومية مسلمة في الصين. ويعودون بأصولهم إلى
تتار
تتارستان وتتار سبيريا والقرم. وهم يتعايشون مع بقية الشعوب التركية في
مناطق
تركستان الشرقية، ويتحدثون اللغة التتارية من أرومة اللغة التركية
القديمة،
ويستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
من
خلال هذه التقسيمات "القومية" كما أشرنا، كانت الدولة الصينية تؤسس
لآليات ضرورية لفرض قبضتها على مختلف
الشعوب والأعراق التي أطبقت هيمنتها السياسية والعسكرية عليهم . لكن
الإشكال الذي
يبقى أمام أي محاولة لدراسة الإسلام في الصين
–
فيما يهمنا هنا – بالقياس إلى مثل هذا الخيار السياسي، هو إذا ما صح
الحديث عن
مسلمي الصين هؤلاء، وفق منطق واحد؟ بمعنى هل تصلح أدوات التحليل التي قد
نستعملها
في دراستنا للويغور مثلاً لأن تطبق على الدونغشيانغ، أو على الخوي، أو على
الطاجيك
؟ ولكل من هذه الأعراق لغة مختلفة،
وتاريخاً مختلفاً، وحاضراً اجتماعياً
وسياسياً واقتصاديا مختلفاً ومختلفاً..؟!!
إن
ما يمكن التأكد منه – من خلال هذا العرض السريع للموضوع – هو
إن انتماء كافة
المسلمين القاطنين أراضى الدولة الصينية، للدين الإسلامي هو واحد بعينه.
وانه
لا يكاد يفصل أو يفرق بين ممارساتهم وأعيادهم، وأفراحهم في هذا الاتجاه أي
فاصل.
بل تكاد الهوية الإسلامية ان تتحول إلى "هوية" جامعة لكل هؤلاء.
مع ذلك ، يظل الجانب
الثقافي والتاريخ
السياسي والحضاري والحاجز اللغوي يفصل بين هؤلاء ويميز بينهم . ومن هنا
يأتي
الإشكال البحثي الذي كثيراً ما جر الدراسات المستعجلة التي حاولت التعرض
لموضوع
الإسلام في الصين، إلى مزلق مذهبي صعب. ففي حقيقة الأمر يكاد يستحيل مثلاً
تعميم
أي من الملاحظات الميدانية:السوسيولوجية منها أو الأنثروبولوجية أو حتى
السياسية،
التي قد يتم جمعها عن المسلمين الويغور على غيرهم من مسلمي الصين.
فلا
يمكن القول – على سبيل المثال – إن فكرة الجامعة التركية هي
ما يزهر قلب سكان هضاب
البامير من "الطاجيك الفرس" أو أن أشعار الكشغري هي نزهة المشتاق للأدب
أو الشعر عند "البوان" من المنغول، إن
"الخوي" "كالويغور" يسعون للانفصال عن الدولة
الصينية!.
وعلى الرغم ما قد يجمع
ما بين القازاق
والاوزبك والقرغيز والتتار مع الويغور من تاريخ ثقافي ولغة ذات أصول
مشتركة، إلا
أن عامل الانتماء للأرض – وهو المؤشر الذي أثار دهشة مختلف
الدراسات- يجعل من
الويغور وحدهم أصحاب شرعية مطلقة في مناطق التركستان الشرقية، بينما وفد
أليها
الآخرون من الخارج.
هكذا
يرفض الويغور أي منطق يحاول أن يجعل من كل هؤلاء الشعوب التركية على مستوى
واحد
معهم، فيما يتعلق وانتمائهم لأرضهم الأم، أو أن يعطي لكائن غيرهم نفس الحق
في تلك
الواحات الويغورية الوارفة . لذلك فهم ما فتئوا ينتفضون ويقاومون أي
محاولة
منهجية، أو عملية قد تسعى في هذا الاتجاه
.
على هذا الأساس
– ورغم كل ترحيبهم بإخوانهم
في الدين للإقامة بينهم – إلا إن ذلك لا يعطي لهؤلاء، أي حق نهائي
في أرضهم .
ويمكن أن نلاحظ في هذا
الخصوص إن العديد من
المصادمات المسلحة كانت تقع بين الويغور وإخوانهم في الدين من "الخوي"
(وهم الصينيون المسلمون)، ممن تم تهجيرهم نحو مناطق الويغور بقرار سياسي،
في إطار
السياسية التدريجية للحكومة المركزية ، لدمج التركستان الشرقية نهائياً بالدولة الصينية ، وذلك ، لأن الويغور كانوا يعتبرون الخوي
– وإن
كانوا مسلمون مثلهم- صينيين
بالأساس، لا يختلفون عن غيرهم من الصينيين "الخان" الذين جاءوا لاحتلال
أراضيهم .
على
هذا الأساس، لابد لمقولة "مسلمي الصين" أن تحمل بالضرورة كل هذا التنوع
والاختلاف، لأنها تفقد، دون هذا، معناها إذا ما تم جرها للحديث عن عرق
واحد من هذه
الأعراق بمعزل عن البقية .
من ناحية أخرى، فأن
مقولة "الصينيون
المسلمون" لا تكون صالحة للإشارة لغير قومية "الخوي"، من الصينيين.
إذ أن الانتماء العقائدي والنفسي والثقافي للدين الإسلامي، يجعل من مشاعر
كل هؤلاء
تتبلور بعمق فيما يمكن تسميته "بالهوية الإسلامية"، وهي ما يحاول
"الخوي" أن يؤكدوا عليه من خلال إصرارهم على هذا الاختلاف عن
"الخان" وفق هذا المعنى. هكذا استطاعوا أن يطوروا لغة صينية خاصة بهم ،
يزركشها الشباب منهم خاصة بالمفردات العربية والتعابير الإسلامية، كالحديث
عن شهر
رمضان الذي لا يعرفه "الخان" أو السؤال عن "الجماعة" والتي
يقصد بها هنا جماعة المسجد ... إلى غير ذلك .
هذه
اللغة صارت تعرف في القاموس الصيني بـ "خوي خوى خوا" وهو تعبير تصعب
ترجمته والذي يعين "لغة الخوي" أي لغة المسلمين من الصينيين خاصة. وهذا
التعبير يتخذه هؤلاء لإعلان هويتهم الإسلامية المتميزة .
مع ذلك، يصعب النظر إلى هذه
"الهوية" – إن صح التعبير- خارج الهوية الوطنية الصينية ذاتها. لأن
هؤلاء المسلمين من "الخوي"
كانوا قدموا حتى اليوم، ودون حدود، ملايين الشهداء في سبيل ارض
الوطن
"الصين"، أمام مختلف أشكال العدوان التي تعرضت له الصين عبر تاريخها.
ولهذا
كانت لهم مكانتهم الخاصة في قلب الكيان الوطني الصيني الذي لا ينظر إليهم
إلا
باعتبارهم أبناء الوطن المسلمين. هذه الحقيقة يقابلها نضال "الويغور"
وجهادهم في سبيل الاستقلال بوطنهم ألام "ويغورستان" عن الأراضي الصينية،
والانفصال عن هذا الكيان السياسي "الصيني" الذي لا يحملون له أي ولاء .
Dru C. Gladney: Muslim
Chinese, Ethnic Nationalism in the Chinese
Republic. Harvard University Press, 1991.
|
||||||||||||